فصل: من فوائد القرطبي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والمتراكب: الذي بعضه فوق بعض.
قوله تعالى: {ومن النخل من طلعها قنوان دانية} وروى الخفّاف عن أبي عمرو، {قُنوان}: بضم القاف؛ وروى هارون عنه بفتحها.
قال الفراء: معناه: ومن النخل ما قنوانه دانية، وأهل الحجاز يقولون: قِنوان بكسر القاف؛ وقيس يضمونها؛ وضبة، وتميم، يقولون: قنيان وأنشدني المفضّل عنهم:
فأثَّتْ أعَالِيْهِ وآدَتْ أصُوْلُه ** وَمَالَ بِقِنْيانٍ من البُسْرِ أحْمَرَا

ويجتمعون جميعًا، فيقولون: قِنو وقُنو ولا يقولون: قِني ولا قُني وكلب.
يقولون: ومال بِقِنيان.
قال المصنف: والبيت لامرئ القيس؛ ورواه أبو سعيد السكري: {ومال بِقِنوان} مكسورة القاف مع الواو، ففيه أربع لغات: قِنوان، وقُنوان، وقِنيان، وقُنيان {وأثت}: كثرت؛ ومنه: شعر أثيت.
{وآدت}: اشتدت.
وقال ابن قتيبة: القنوان: عذوق النخل، واحدها: قنو، جمع على لفظ تثنية، ومثله: صِنو وصنوان في التثنية، وصنوان في الجمع.
وقال الزجاج: قِنوان: جمع قِنو، وإذا ثنيته فهما قِنوان، بكسر النون.
ودانية: أي: قريبة المتناول، ولم يقل: {ومنها قنوان بعيدة}، لأن في الكلام دليلًا أن البعيدة السحيقة؛ قد كانت غير سحيقة، فاجتُزئ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة؛ كقوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] وقال ابن عباس: القُنوان الدانية: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.
قوله تعالى: {وجنات من أعناب} قال الزجاج: هو نسق على قوله: {خضرًا} {والزيتون والرمان} المعنى: وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان؛ وقد روى أبو زيد عن المفضل، و{جناتٌ} بالرفع.
قوله تعالى: {مشتبهًا وغير متشابه} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: مشتبها في المنظر، وغير متشابه في الطعم، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمره، قاله قتادة، وهو في معنى الأول.
والثالث: منه ما يشبه بعضه بعضًا، ومنه ما يخالف.
قال الزجاج: وإنما قرن الزيتون بالرمان لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره.
قال الشاعر:
بُورِكَ الميّت الغَريبُ كما بو ** رِكَ نَضْحُ الرُّمَّانِ والزَّيْتُونِ

ومعناه: أن البركة في ورقه اشتمالُه على عوده كلِّه.
قوله تعالى: {انظروا إلى ثمره} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: {انظروا إلى ثمره}، و{كلوا من ثمره} [الأنعام: 141] و{ليأكلوا من ثمره} [يس: 35]: بالفتح في ذلك.
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالضم فيهن.
قال الزجاج: يقال: ثَمرةٌ، وثَمَرَ، وثِمَار، وثُمُر؛ فمن قرأ {إلى ثُمُره} بالضم أراد جمع الجمع.
وقال أبو علي: يحتمل وجهين.
أحدهما: هذا، وهو أن يكون الثمر جمع ثمار.
والثاني: أن تكون الثمر جمع ثمرة، وكذلك أكمة، وأُكُم، وخشبة وخُشُب.
قال الفراء: يقول: انظروا إليه أول ما يَعْقِد، وانظروا إلى ينعه، وهو نضجه وبلوغه.
وأهل الحجاز يقولون: يَنْعَ، بفتح الياء، وبعض أهل نجد يضمونها.
قال ابن قتيبة: يقال: ينَعت الثمرة، وأينعت: إذا أدركت وهو، اليُنْع واليَنْع.
وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، والأعمش، وابن محيصن: {ويُنعِه} بضم الياء.
قال الزجاج: الينع: النُضج.
قال الشاعر:
في قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ ** حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعا

وبيَّن الله تعالى لهم بتصريف ما خلق، ونقله من حال إلى حال لا يقدر عليه الخلق، أنه كذلك يبعثهم.
قوله تعالى: {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} قال ابن عباس: يصدِّقون أن الذي أخرج هذا النبات قادر على أن يحيي الموتى.
وقال مقاتل: يصدقون بالتوحيد. اهـ.

.من فوائد ابن عطية في الآية:

قال رحمه الله:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا}.
{السماء} في هذا الموضع السحاب، وكل ما أظلك فهو سماء، و{ماء} أصله موه تحركت الواو وانفتح ما قبلها فجاء ماه فبدلت الهاء بالهمزة لأن الألف والهاء ضعيفان مهموسان، وقوله: {نبات كل شيء} قال بعض المفسرين أي مما ينبت، وحسن إطلاق العموم في {كل شيء} لأن ذكر النبات قبله قد قيد المقصد وقال الطبري والمراد ب {كل شيء} ما ينمو من جميع الحيوانات والنبات والمعادن وغير ذلك، لأن ذلك كله يتغذى وينمو بنزول الماء من السماء، والضمير في {منه} يعود على النبات، وفي الثاني يعود على الخضر، و{خضرًا} بمعنى أخضر، ومنه قوله عليه السلام: «الدنيا خضرة حلوة» بمعنى خضراء.
قال القاضي أبو محمد: وكأن {خضرًا} إنما يأتي أبدًا لمعنى النضارة وليس للون فيه مدخل، وأخضر إنما تمكنه في اللون، وهو في النضارة تجوز، وقوله: {حبًا متراكبًا} يعم جميع السنابل وما شاكلها كالصنوبر، والرمان وغيرها من جميع النبات، وقوله تعالى: {ومن النخل} تقديره ونخرج من النخل و{من طلعها قنوان} ابتداء خبره مقدم، والجملة في موضع المفعول بنخرج، والطلع أول ما يخرج من النخلة في أكمامه، و{قنوان} جمع قنو وهو العِذق بكسر العين وهي الكباسة، والعرجون عوده الذي ينتظم التمر، قرأ الأعرج {قنوان} بفتح القاف، وقال أبو الفتح ينبغي أن يكون اسمًا للجمع غير مكسر لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع قال المهدوي وروي عن الأعرج ضم القاف، وكذلك أنه جمع قُنو بضم القاف، قال الفراء وهي لغة قيس وأهل الحجاز، والكسر أشهر في العرب، وقنو يثنى قنوان منصرفة النون، و{دانية} معناه قريبة من المتناول، قاله ابن عباس والبراء بن عازب والضحاك وقيل قريبة بعضها من بعض، وقرأ الجمهور {وجناتٍ} بنصب جَنات عطفًا على قوله نبات، وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى ورويت عن أبي بكر عن عاصم {وجناتٌ} بالرفع على تقدير ولكم جنات أو نحو هذا، وقال الطبري وهو عطف على قنوان.
قال القاضي أبو محمد: وقوله ضعيف و{الزيتون والرمان} بالنصب إجماعًا عطفًا على قوله: {حبًا}، {ومشتبها وغير متشابه} قال قتادة: معناه تتشابه في اللون وتتباين في الثمر، وقال الطبري: جائز أن تتشابه في الثمر وتتباين في الطعم، ويحتمل أن يريد تتشابه في الطعم وتتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة بالاعتبار في أنواع الثمرات، وقوله تعالى: {انظروا} وهو نظر بصر يترتب عليه فكرة قلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم {إلى ثَمَره} بفتح الثاء والميم وهو جمع ثمرة كبقرة وبقر وشجرة وشجر، وقرأ يحيى بن وثاب ومجاهد {ثُمُره} بضم الثاء والميم قالا وهي أصناف المال.
قال القاضي أبو محمد: كأن المعنى انظروا إلى الأموال التي تتحصل منه، وهي قراءة حمزة والكسائي، قال أبو علي والأحسن فيه أن يكون جمع ثمره كخشبة وخشب وأكمة وأكم، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
تَرَى الأكْمَ فيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ

نظيره في المعتل لابة ولوب وناقة ونوق وساحة وسوح.
ويجوز أن يكون جمع جمع فتقول ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر، وقرأت فرقة {إلى ثُمْره} بضم الثاء وإسكان الميم كأنها ذهبت إلى طلب الخفة في تسكين الميم، والثمر في اللغة جنى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر ثمارًا فتجوز، وقرأ جمهور الناس و{يَنعه} بفتح الياء وهو مصدر ينع يينع إذا نضج، يقال ينع وأينع وبالنضج فسر ابن عباس هذه الآية ومنه قول الحجاج: إني لأرى رؤوسًا قد أينعت ويستعمل ينع بمعنى استقل واخضر ناضرًا، ومنه قول الشاعر: [المديد]
في قبابٍ حَوْلَ دَسْكَرَة ** حَوْلَها الزّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا

وقيل في {ينعه} إنه جمع يانع مثل في تاجر وتجر وراكب وركب ذكره الطبري، وقرأ ابن محيصن وقتادة والضحاك {ويُنعه} بضم الياء أي نضجه، وقرأ ابن أبي عبلة واليماني. {ويانعه}، وقوله: {إن في ذلكم لآيات} إيجاب تنبيه وتذكير وتقدم تفسير مثله. اهـ.

.من فوائد القرطبي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا}.
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً} أي المطر.
{فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} أي كل صِنف من النبات.
وقيل: رزق كل حيوان.
{فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا} قال الأخفش: أي أخضر؛ كما تقول العرب: أرِينها نمرة أرِكْها مِطرة.
والخِضر رطب البقول.
وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسُّلت والذّرة والأرز وسائر الحبوب.
{نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا} أي يُركّب بعضه على بعض كالسنبلة.
الثانية: قوله تعالى: {وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ} ابتداء وخبر.
وأجاز الفرّاء في غير القرآن قِنْوانًا دانيةً على العطف على ما قبله.
قال سيبويه: ومن العرب من يقول: قُنوان.
قال الفرّاء: هذه لغة قيس، وأهل الحجاز يقولون: قِنوان، وتميم يقولون: قنيان؛ ثم يجتمعون في الواحد فيقولون: قِنْوٌ وقَنْوٌ.
والطَّلْع الكُفُرَّى قبل أن ينشق عن الإغريض.
والإغريض يسمى طلعًا أيضًا.
والطلع؛ ما يُرى من عِذْق النخلة.
والقِنوان: جمع قِنو، وتثنيته قِنْوان كصِنو وصِنوانِ (بكسر النون).
وجاء الجمع على لفظ الاثنين.
قال الجوهري وغيره: الاثنان صِنوانِ والجمع صنوانُ (برفع النون).
والقِنْو: العذْق والجمع القِنوان والأقناء؛ قال:
طويلة الأَقْناء والأثاكِلِ

غيره: أقناء جمع القلة.
قال المهدوِيّ: قرأ ابن هُرْمز {قَنوان} بفتح القاف، وروي عنه ضمها.
فعلى الفتح هو اسم للجمع غير مُكَسّر، بمنزلة ركب عند سيبويه، وبمنزلة الباقِر والْجَامِل؛ لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع، وضمّ القاف على أنه جمع قِنو وهو العِذق (بكسر العين) وهي الكباسة، وهي عنقود النخلة.
والعَذْق (بفتح العين) النخلة نفسُها.
وقيل: القِنوان الجُمّار.
{دَانِيَةٌ} قريبة، ينالها القائم والقاعد.
عن ابن عباس والبَرَاء بن عازب وغيرهما.
قال الزجاج: منها دانِية ومنها بعيدة؛ فحذف؛ ومثله {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81].
وخصّ الدانية بالذكر، لأن من الغرض في الآية ذكر القدرة والامتنان بالنعمة، والامتنانُ فيما يقربُ متناوَلُه أكثر.
الثالثة: قوله تعالى: {وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ} أي وأخرجنا جنات.
وقرأ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والأعمش، وهو الصحيح من قراءة عاصم {وجناتٌ} بالرفع.
وأنكر هذه القراءةَ أبو عبيد وأبو حاتم، حتى قال أبو حاتم: هي محال؛ لأن الجنات لا تكون من النخل.
قال النحاس: والقراءة جائزة، وليس التأويل على هذا، ولكنه رفع بالابتداء والخبرُ محذوف؛ أي ولهم جنات.
كما قرأ جماعة من القرّاء {وَحُورٌ عِينٌ}.
وأجاز مثل هذا سيبويه والكِسائيّ والفرّاء؛ ومثله كثير.
وعلى هذا أيضًا وحُورًا عِينًا حكاه سيبويه، وأنشد:
جئْنِي بمثلِ بنِي بَدْرٍ لقومهم ** أو مثلَ أُسْرةِ مَنْظورِ بن سيّارِ

وقيل: التقدير وجنات من أعناب أخرجناها؛ كقولك: أكرمت عبد الله وأخوه، أي وأخوه أكرمت أيضًا.
فأمّا الزيتون والرمّان فليس فيه إلا النصب للإجماع على ذلك.
وقيل: {وجنّاتٌ} بالرفع عطف على {قِنوان} لفظًا، وإن لم تكن في المعنى من جنسها.
{والزيتون والرمان مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} أي متشابهًا في الأوراق؛ أي ورق الزيتون يُشبه ورق الرمان في اشتماله على جميع الغُصْن وفي حجم الورق، وغير متشابه في الذَّوَاق؛ عن قتادة وغيرهِ.
قال ابن جُريج: {مُتَشابِهًا} في النظر {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} في الطعم؛ مثل الرمّانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف.
وخصّ الرمان والزيتون بالذِّكرِ لقربهما منهم ومكانهما عندهم.
وهو كقوله: {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17].
ردّهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه.
الرابعة: قوله تعالى: {انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} أي نظر الاعتبار لا نظر الإبصار المجرَّد عن التفكُّر.